صديق الحسيني القنوجي البخاري
233
أبجد العلوم
ثم إنهم إذا حدّوا هذا الفن قالوا : هو « 1 » حفظ أشعار العرب وأخبارهم ، والأخذ من كل علم بطرف . يريدون من علوم اللسان ، أو العلوم الشرعية من حيث متونها فقط ، وهي القرآن والحديث ، إذ لا مدخل لغير ذلك من العلوم في كلامهم إلا ما ذهب إليه المتأخرون عند كلفهم بصناعة البديع من التورية في أشعارهم وترسلهم بالاصطلاحات العلمية ، فاحتاج صاحب هذا الفن حينئذ إلى معرفتها ليكون قائما على فهمها . وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين وهي : ( أدب الكاتب ) لابن قتيبة ، وكتاب ( الكامل ) للمبرد ، وكتاب ( البيان والتبيين ) للجاحظ ، وكتاب ( النوادر ) لأبي علي القالي البغدادي . وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها ، وكتب المحدّثين في ذلك كثيرة . وكان الغناء في الصدر الأول من أجزاء هذا الفن لما هو تابع للشعر ، إذ الغناء إنما هو تلحينه . وكان الكتاب والفضلاء من الخواص في الدولة العباسية يأخذون أنفسهم به حرصا على تحصيل أساليب الشعر وفنونه ، فلم يكن انتحاله قادحا في العدالة والمروءة . وقد ألف القاضي أبو الفرج الأصبهاني وهو ما هو ، كتابه في ( الأغاني ) جمع فيه أخبار العرب وأشعارهم وأنسابهم وأيامهم ودولهم ، وجعل مبناه على الغناء في المائة صوت التي اختارها المغنون للرشيد ، فاستوعب فيه ذلك أتم استيعاب وأوفاه . ولعمري إنه ديوان العرب ، وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الأحوال ، ولا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه ، وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها وأنّى له بها » « 2 » واللّه الهادي للصواب . هذا آخر ما نقلناه من كتاب ( عنوان العبر وديوان المبتدأ والخبر ) وقد نقله أيضا صاحب ( كشف الظنون ) لكن بالتلخيص المخل والاختصار الممل فلم أعتمد عليه . وأخذت من حيث أخذ مع زيادات زدناها في مواضع شتى من كتب أخرى حرصا على الجمع وطمعا في تمام الفائدة ، ولا غرو إن كان قد وقع بعض تكرار في غير موضع من هذه المطالب بوجوه تظهر عليك عند التأمل فيما لديك وباللّه التوفيق . * * *
--> ( 1 ) في المقدمة ( ص 642 ) : « قالوا : الأدب هو . . . » . ( 2 ) آخر ما نقله عن ابن خلدون ( ص 642 ) .